عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

460

اللباب في علوم الكتاب

العود إليه ] « 1 » ، وقرأ الأعمش « 2 » وطلحة « مثابات » جمعا ، ووجهه أنه مثابة لكلّ واحد من الناس . قوله تعالى : « لِلنَّاسِ » فيه وجهان : أحدهما : أنه متعلّق بمحذوف ؛ لأنه صفة لمثابة ومحلّه النصب . والثاني : أنه متعلّق بجعل أي : لأجل الناس يعني مناسكهم . قوله تعالى : « وَأَمْناً » فيه وجهان : أحدهما : أنه عطف على « مثابة » وفيه التأويلات المشهورة : إما المبالغة في جعله نفس المصدر ، وإما على حذف مضاف ، أي : ذا أمن ، وإما على وقوع المصدر موقع اسم الفاعل ، أي : آمنا ، على سبيل المجاز كقوله : حَرَماً آمِناً [ العنكبوت : 67 ] . والثاني : أنه معمول لفعل محذوف تقديره : وإذ جعلنا البيت مثابة ، فاجعلوه آمنا لا يعتدي فيه أحد على أحد . والمعنى : أن اللّه جعل البيت محترما بحكمه ، وربما يؤيد هذا بقراءة « 3 » : « اتّخذوا » على الأمر ، فعلى هذا يكون « وأمنا » وما عمل فيه من باب عطف الجمل عطفت جملة أمرية على خبرية ، وعلى الأول يكون من عطف المفردات . فصل في تحرير المقصود من البيت اعلم أنه لما ذكر أمر تكليف إبراهيم - عليه الصّلاة والسّلام - بالإمامة ذكر بعده التكليف الثاني ، وهو تطهير البيت ، فنقول : المراد بيت اللّه الحرام ؛ لأن الألف واللام فيه : إما للعهد أو للجنس ، وقد علم المخاطبون أنه لم يرد الجنس ، فانصرف إلى المعهود عندهم وهو الكعبة . قال ابن الخطيب : وليس المراد نفس الكعبة ؛ لأنه - تعالى - وصفه بكونه « أمنا » وهذا صفة لجميع الحرم لا الكعبة فقط بدليل جواز إطلاق البيت ، والمراد منه كل الحرم . قال تعالى : هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ [ المائدة : 95 ] والمراد الحرم كله لا الكعبة نفسها ؛ لأنه لا يذبح في الكعبة ، ولا في المسجد الحرام ، وقال تعالى : فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا [ التوبة : 28 ] .

--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 3 / 26 - 27 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 222 ) . ( 2 ) انظر الشواذ : 9 ، والبحر المحيط : 1 / 551 ، والمحرر الوجيز : 1 / 207 ، والدر المصون : 1 / 364 ، والقرطبي : 2 / 76 ، والتخريجات النحوية : 59 ، وإتحاف فضلاء البشر : 1 / 417 . ( 3 ) وهي قراءة الجمهور ، قرأ بها : ابن كثير وأبو عمرو ، وعاصم ، وحمزة ، والكسائي . انظر الحجة : 2 / 220 ، وحجة القراءات : 113 ، وإتحاف : 1 / 417 ، وشرح الطيبة : 4 / 67 ، وشرح شعلة : 276 ، والعنوان : 71 .